محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
395
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قوله - جلّ وعزّ - : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) النظم لقد أظهر اللّه تعالى عليهم مننه بإمهالهم وتأخير العذاب عنهم حتّى تاب من تاب ؛ إذ قد أعلمهم حال الذين اعتدوا منهم في السبت كيف عاجلهم بالعقوبة ، وفاجأهم بالنقمة ؛ فلم يمهلهم للرجعة ، ولا وفّقهم للتوبة ؛ فقال لهم : كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ . التفسير قال المفسّرون : العلم هاهنا بمعنى المعرفة ؛ لأنّه اقتصر على أحد المفعولين والخطاب للمعاصرين الذين اعتدوا أي جاوزوا ما حدّ لهم ، وعتوا عمّا نهوا عنه ؛ فلم يكن تأخيرنا عن أسلافكم الذين عصوا أمرنا في الإيمان بالأنبياء والوفاء بما أخذنا عليهم من المواثيق للعجز والإهمال ، ولكن تفضّلا منّا ورحمة ؛ ولو شئنا لعاجلناهم بالعقوبة كما فعلنا بأصحاب السبت في اعتدائهم ( 172 ب ) . في السَّبْتِ قولان أحدهما : وهو قول الحسن إنّهم أخذوا فيه الحيتان على وجه الاستحلال ؛ والثاني : هو الذي عليه عامّة المفسّرين : « 1 » إنّ هؤلاء كانوا في زمن داود - عليه السلام - بأرض يقال لها إيلة ، حرّم اللّه عليهم صيد السمك يوم السبت ، وكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلّا اجتمع في البحر وفي غدرانهم حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها ؛ فإذا مضى يوم السبت تفرّقن ونزلن قعر البحر ؛ فذلك قوله : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ؛ فعمد رجال ؛ فحفروا الحياض حول البحر ، وشرعوا منه إليها الأنهار ؛ فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار ؛ فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض ؛ فلا تطيق الخروج منها لبعد عمقها وقلّة الماء ، أو لمّا سدّوا من مجاري الماء ؛ فلا يصيدون يوم السبت ويصيدون يوم الأحد ، رواه السدّي عن أبي مالك
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : القصة .